تاريخ المخدرات عبر العصور و طرق علاجها

تاريخ المخدرات عبر العصور و طرق علاجها 

 

دائماً التاريخ يعيد نفسه .. فمنذ خلق الله الانسان ، وهو يبحث دائماً عن أسباب السعادة ، وإن كان سعيداً فهو يطمح لسعادة أكبر ، وهذه طبيعة لصيقة بالإنسان لا يستطيع الفكاك منها ، السعي دائماً نحو الأفضل " من وجهة نظره " .. 
فقد كان البحث عن السعادة  من أسباب خروج آدم من الجنة ، كان يعيش في الجنة حيث لا شيء يعلو فوق ذلك ، ولكنه أكل من الشجرة بعد أن أغواه إبليس وطمحت نفسه لحالة من السمو و لسعادة أكبر ، فأكل من الشجرة ظناً منه أنها شجرة الخلد وملك لا يفنى  بينما هي  الفناء نفسة  ..!
فكرة المخدرات قريبة من هذا ، فهي يتم التعامل معها على أنها من مسببات السعادة ، أو العلو والسمو الروحاني ، ولذلك فهي على امتداد تاريخ البشرية تظهر وتختفي و يستخدمها الانسان وهو طامح للسعادة ، أو لسعادة أكبر ، أو للعيش في حالة بعيدة عن الواقع ، أياً كانت الأسباب لذلك ..!

المخدرات وتعامل الشعوب معها 

عند الحديث عن تاريخ المخدرات وطريقة العلاج منها  فلن يكفينا فيها مقال واحد أو بحث ، فهي ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ ، وفي كل عصر من العصور ، يعيد التاريخ نفسه ،فتنتشر المخدرات ويتصدى لها العقلاء في كل عصر بكل حزم وشدة ، فهي مهلكة للأمم والشعوب ، بغض النظر عن تعامل بعض الحكومات الفاسدة من زراعة المخدرات وترويجها ، فما تفعله الحكومات ليس مقياساً يقاس عليه 
 بعض الحكومات في بعض العصور كانت تسمح بذلك من أجل إغراق شعوبها في غيبوبة تامة ، فلا يكونوا على المستوى العقلاني الذي يجعلهم يفكرون في مقدراتهم وثرواتها التي تنهبها حكوماتهم ، بل إن بعض الحكومات قامت بفرض ضرائب على زراعة المخدرات كضريبة الحشيش التي كان يفرضها بعض ولاة الدولة العثمانية 
 أو زراعة وتصنيع الأفيون كما كانت تفعل الشركة الشرقية التابعة للتاج البريطاني في الصين والهند من نشر زراعة وتصنيع الأفيون ،حتى تعيد الأموال التي ربحتها الصين من التجارة مع التاج البريطاني ، حتى ثار عليها الشعب الصيني ، وحدثت حرب الأفيون الشهيرة ..
وكما حدث مع بدايات تعرف السكان الأصليين بنبات الكوكا في أمريكا الجنوبية ، فقد كان مقتصر على كبراء القوم من قضاة وتجار ، ثم انتشر مع فكرة التجارة فيه وبيعه وتعاطيه ..

تاريخ بعض أنواع المخدرات الشهيرة :

الخمور:

حين نبحث في تاريخ الخمور فإننا نجد الصين من أول الحضارات التي اكتشفت عمليات التخمير لأنواع الأطعمة المختلفة من أرز وقمح وشعير وبطاطا وشعير ، وكانوا يطلقون على هذه المشروبات اسم " جيو " ، حتى حدث الاتصال بين الشرق والغرب بين الامبراطورية الصينية  والامبراطورية الرومانية  وانتقل للصين نبيذ العنب ، في 200 قبل الميلاد ، فكانت تستخدم هذه المشروبات في المناسبات الاجتماعية التي يملؤها جو السعادة والفرح ، والنموذج الصيني ليس متفرداً في اكتشاف الخمور ، فقد عرفها الإنسان في حضارات اخرى مختلفة على امتداد التاريخ ..

 

الحشيش:

أما الحشيش .. نبات القنب ..والضوضاء التي يصدرها متعاطيه بعد أن يتمكن المخدر منه ، فقد عرفته الشعوب القديمة  الصينية والهندوسية  و الآشوريون واستخدموه في استخدامات مختلفة ، فتم تصنيع الحبال من أليافه ، وكذلك أنواعاً من الأقمشة ، كما استخدمه الكهنة في أغراض دينية وروحانية  ، حيث أطلقوا عليه اسم " واهب السعادة " و " مخفف الأحزان " ، وكان كهنة الهندوس والسيخ يعتبرونه من أصل إلهي ، انطلاقاً من تأثيره على الروح والنفس والجسد .. 
ثم مع الوقت و تتابع الزمن ظهر الحشيش في العالم الإسلامي في القرن الحادي عشر الميلادي ، حيث استعمله بعض قادة القرامطة في آسيا الوسطى ، وأطلق علي فرقته اسم " الحشاشين " ، كما عرف أيضاً في عهد المماليك ، حيث انتشرت زراعته وتعاطيه في مصر حينها ، ثم انتقل لأوروبا مع عودة الحملة الفرنسية من مصر حيث حملوه معهم ، كما كانت معرفة أمريكا به في بدايات القرن العشرين عن طريق العمال المكسيكيين الذين وفدوا إليها للعمل ..

الأفيون:

من العجيب أن نعرف أن الأفيون " نبات الخشخاش "  اكتشف قديماً جدا ، فقد اكتشفه سكان آسيا الوسطى في الألف السابعة قبل الميلاد ، ثم انتشر عن طريقهم ..
 كما عرفه قدماء المصريين في الألف الرابعة قبل الميلاد ، و كما عرفه اليونانيون ولكنهم أدمنوه ، مما جعل حكمائهم  يوصون بمنعه ، كما عرفه العرب في القرن الثامن الميلادي حيث كان يتم علاج التهاب غشاء الرئة " داء ذات الجنب " به ، كما فعل ابن سينا ، كما عرفه الهنود في القرن السادس الميلادي  وظلت الهند تستخدمه في مبادلاتها التجارية مع الصين حتى قامت شركة الهند الشرقية باحتكاره و  قامت بإغراق أسواق الصين بالأفيون فكان نتاج ذلك " حرب الأفيون " الشهيرة ..


المورفين 

ثم مع الوقت في عام 1898 م تم تصنيع المورفين مشتقاً من الأفيون ، حيث أنتجته شركة " باير للأدوية ، حتى تم تجريم استعماله خارج الاستعمال الطبي ..
الهيروين
ثم ظهر المخدر الأشد خطورة " الهيروين " حيث ظهر في عام 1989 م حيث تم تصنيعه من مخدر " المورفين " وكان يتم به علاج مرضى الربو ، ولكن تم منعه بعد أن انتشر استعماله كمخدر ..
الأمفيتامينات
ثم ظهرت المنشطات ، وهي الأشد خطورة من بين أنواع المخدرات " الامفيتامينات " حيث تم تحضيرها وتصنيعها أول مرة عام 1887 م وتم التسويق لها طبياً في عام 1930 م تحت اسم " البنزودين " وكان يستخدمها الطيارون في الحرب العالمية الثانية حتى لا يشعرون بالتعب ويعطيهم إحساس بالجسارة والشجاعة ، وكانت اليابان من أول الدول التي انتشر فيها هذه العقاقير بين شبابها ..

الترمادول

ثم قامت أحد أكبر الشركات الدوائية  المتخصصة في انتاج الأدوية المخففة للألم عام 1962 م  بتصنيع عقار الترمادول مخلقاً على عقار الكودايين والمورفين كمسكن للألم ، وقد تم اختباره داخل ألمانيا لمدة خمسة عشر عاماً قبل أن يطرح في الأسواق الخارجية عام 1977 م ، وقد كان عائد ذلك على الشركة ربحاً طائلاً  حيث تم الترويج له كمسكن قوي للألم ، ورغم ذلك كان نادر الوجود حتى عام 1995 م حيث انتشر منذ ذلك الوقت في شتي الأماكن ،حيث أصبح له شعبية كبيرة في مصر والوطن العربي ..


تعامل المجتمعات تاريخياً من حيث علاج الادمان . 

هذا كان سرداً عاجلاً لأشهر أنواع المخدرات التي انتشرت بين البشر على امتداد تاريخهم ، كما أننا لاحظنا أن كل العصور  متشابهة في طريقة نشأة المخدرات وكأنما يعيد التاريخ نفسه 
ولكن السؤال الذي يلح على أذهاننا ونحن نتابع هذا السرد .. كيف تعامل الناس مع مشكلة الإدمان ؟ 
فمن المعروف أن الشخص المصاب بمرض الإدمان ، يتوقف عن الانتاج والتفاعل مع المجتمع كفرد فعال فيه 
والحقيقة أن علاج المخدرات أخذ أشكال مختلفة على امتداد التاريخ ، ففي بعض الحقب التاريخية ، تم التعامل مع الأعراض الانسحابية فقط للمدمن ، حيث لا يعد هذا علاجاً ، بل هو تعامل مع الأعراض الجسدية
ثم نجد في بعض الحقب التاريخية التعامل مع المخدرات ذاتها بمنعها تماماً من التداول ، فيجد المدمن نفسه مجبراً على الإقلاع عن التعاطي ، كما حدث في اليونان القديمة عندما تفشى تعاطي الأفيون ، فقد قام حكماء اليونان بمنعه من التداول 
ونجد في بعض الحقب التاريخ العلاج الروحاني الديني ، كما حدث حين تم تحريم الخمر ، فأقلع الصحابة عنها امتثالاً لأوامر الدين 
ثم بدأ في حقب متأخرة النظر لإدمان المخدرات نظرة مختلفة نوعاً ما ، فتم التعامل مع المدمن جسدياً ونفسياً ، فظهرت النظريات والخطوات الأولى لعلاج الإدمان 
ثم ظهر الأطباء النفسيين الذين حللوا الاضطرابات والأمراض النفسية  الناتجة عن تعاطي المخدرات ، وغيرها 
وتوالى الزمن حتى وصلنا للعصر الحديث ، فظهرت النظريات العلمية والنفسية ، والأماكن العلاجية على امتداد البلاد التي ضربها هذا المرض العضال ..
وانتشرت فكرة الأماكن العلاجية ، حيث توصل العلم الحديث إلى أن المدمن لا يستطيع  الإقلاع عن إدمانه منفرداً ، فهو يحتاج للمساعدة الطبية والنفسية  بتوازي منضبط حتى يتم العلاج والتعافي